محمد متولي الشعراوي

9425

تفسير الشعراوي

ينبغي إذن أن نفهم أن آدم خُلِق للأرض وعمارتها ، وقد هيَّأها الله لآدم وذريته من بعده ، وأعدَّها بكُلِّ مقوِّمات الحياة ومُقوِّمات بقاء النوع ، فمَنْ أراد ترف الحياة فليُعمل عقله في هذه المقوّمات وليستنبط منها ما يريد . لقد ذكرنا أن في الكون مُلكاً وملكوتاً : الملْك هو الظاهر الذي نراه ونشاهده ، والملكوت ما خفى عنّا وراء هذا الملْك ، ومن الملكوت أشياء تؤدي مهمتها في حياتنا دون أنْ نراها ، فمثلاً ظاهرة الجاذبية الأرضية التي تتدخل في أمور كثيرة في حياتنا ، كانت في حجاب الملكوت لا نراها ولا نعرف عنها شيئاً ، ثم لما اهتدتْ إليها العقول واكتشفتْها عرفنا أن هناك ما يسمى بالجاذبية . ومن الملكوت الملائكة الموكّلون ، كما قال تعالى : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } [ الرعد : 11 ] . ومنهم الكَتَبة : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ] . فلما خلق الله آدم ، وخلق الملائكة الموكلين بمصالحه في الأرض أمرهم بالسجود له ؛ لأنهم سيكونون في خدمته ، فالسجود طاعة لأمر الله ، وخضوع للخليفة الذي سيعمر الأرض . وقوله تعالى : { إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى } [ طه : 116 ] وفي آية أخرى : { إِلاَّ إِبْلِيسَ استكبر } [ ص : 74 ] . وقد أوضح الحق سبحانه سبب رَفْض إبليس للسجود لآدم بقوله : { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } [ ص : 75 ]